السيد حيدر الآملي
50
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : 5 ] . لأنّ الاستواء ليس إلّا بمعنى الاستيلاء ، وإذا كان كذلك فخصوصيّة العرش به يكون من حيث إنّه أعظم الأشياء وأعظم الأجسام . والاستيلاء على أعظم الأشياء يستلزم الاستيلاء على أحقرها بطريق الأولوية . وهاهنا أبحاث من حيث المعقول ليس هذا موضعها فافهم ذلك جدّا ، واللّه أعلم بحقائق الأشياء ودقائقها ، وهو يقول الحقّ وهو يهدي السبيل . ( التراب الحقيقي هو العلوم الظاهرة ) وأمّا التّراب الحقيقي الّذي بإزاء هذا الماء بحكم العقل والنّقل ، عبارة عن العلوم الظّاهرة الّتي هي كالتراب بالنّسبة إلى تلك ، والقشر إلى تلك اللباب ، فكما يكون المراد بالماء الحقيقي العلوم الرّوحانيّة والمعارف القدسيّة ، يكون المراد بالتراب الحقيقي العلوم المحسوسة الكسبية والمعارف الفكريّة الحدسيّة ، لأنّ المراد بالتّراب في جميع المواضع لو كان التراب الصرف لم يقل الحقّ تعالى في حقّ آدم عليه السّلام : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ [ آل عمران : 59 ] . لأنّ آدم خلقه ليس من التراب فقط ، بل من التراب وغيره من العناصر ، بحيث يكون التراب جزء من أجزاء بدنه ، لكن من جهة الأغلبيّة أشار إليه ، وكذلك الحيوان بل وكلّ موجود ، لأنّ إبليس أيضا لم يكن مخلوقا من نار صرف حيث قال : خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ * [ الأعراف : 12 ] .